القرامطة وداعش وجهين لعملة واحدة خط متصل من العنف، يعبر فلوات التاريخ ويرسم بالدم مسار حضارة آيلة للانهيار، الذين شمتوا فى سقوط الموصل منذ عدة أشهر، هم الذين يشمتون الآن فى سقوط غزة، نتحوَّل من أمة متوحّدة المشاعر على أقل تقدير، إلى بلدان متنافرة، ومن أوطان جامعة إلى شيع وقبائل متعادية، لا أحد يرى أبعد من مضارب قبيلته، نلهو بنيران الفتنة ولا نشعر بأصابعنا التى تحترق، نتفرّج على «داعش» فى إعجاب خفى، ونحرّض إسرائيل على الخلاص من حماس، ونحسب أننا سننجو من الدمار الذى ينتظرنا إذا ما انتصرت داعش أو إسرائيل، «حماس» لا تستحق الشماتة، ومهما قيل عنها فهى جزء من مقاومة وطنية عنيدة، السد الأخير أمام عدو شرس وحقيقى، رغباته التوسعية ضد وجودنا، وتقدّمه يعنى خروجنا من التاريخ، بينما «داعش» ليسوا إلا حفنة من اللصوص، لا هى جماعة إسلامية متشددة، ولا غضب الله على الشيعة، إنها مجرد قوة باطشة خرجت من الماضى وتحمل كل أحقاده، قُطَّاع طرق ارتدوا عباءة الشريعة، وما يفعلونه مع مسيحيى الموصل وطردهم من بيوتهم وسلب أموالهم، وسرقة بيوت بقية المسلمين وسلب محلاتهم التجارية، وسرقة البترول من المصافى، إلا بعض مظاهر هذه اللصوصية العتيدة، والصورة الفجَّة التى يقتحمون بها زمننا، ليست جديدة، ولكن لها العديد من السوابق فى تاريخنا الممتلئ بالفتن، أبرزها جاءت أيضًا من العراق.
عندما بدأت الخلافة العباسية فى التفتت، مثلما يحدث الآن فى دولنا الوطنية، وأخذت أطرافها فى التآكل، عند ذلك بدأ القرامطة فى الظهور، استغلوا فكرة شائعة فى تراث الشيعة وهى انتظار ظهور إمام من نسل آل البيت، يملأ الدنيا عدلًا بعد أن امتلأت جورًا، فكرة رومانسية عن العدل المطلق التى ما زالت تُستغل حتى الآن، وكان ابن حمدان القرمطى مجرد عامل بسيط يقوم بجدل خوص النخيل عندما أعلن أنه من نسل الأئمة، الإمام المنتظر الذى تنتظره الشيعة، وصدق العديد دعوته لأنهم كانوا فى حاجة إلى ذلك، انتشر دعاته فى جنوب العراق وفارس، يدّعون أنهم خرجوا لنصرة آل البيت، وبدافع من الحنق والإحساس بالظلم انضم إليهم الكثيرون، تكون جيش يضم خليطًا من المرتزقة والأفّاقين والمتعصبين، وأرسل الخليفة العباسى جيشًا ضخمًا للقضاء عليهم، ولكنه مثل كل جيوش السلطة، كان مترهلًا ويفتقد للمهارة، تلقّى الهزيمة نفسها التى تلقاها الجيش العراقى المعاصر حين خلع ثيابه وفرّ هاربًا.
وثبت القرامطة أقدامهم فوق رقاب الدولة، من العراق حتى جنوب الجزيرة العربية، أخذوا يغيرون على أى مكان، ويفرضون ما شاؤوا من إتاوات، ويختطفون النساء والأطفال حتى ينتجوا جيلًا مخلصًا لهم، ويسلبون قوافل الحجاج ويسممون الآبار الموجودة فى طريقهم، حتى امتنع أهل العراق عن الحج لسنوات طويلة، ولكن هذا كله لا يُقاس بما فعلوه بمكة والكعبة المشرفة.
خرج زعيمهم أبو طاهر القرمطى من البحرين قاصدًا مكة فى موسم الحج، ولكنه وجد الجميع مستعدين له، عازمين عن منعه هو وأتباعه، وحاربوه أيامًا، فلم يجد بدًّا من اللجوء إلى الحيلة، أظهر هو وأتباعه أنهم لم يأتوا فقط إلا للحج، وأنه لا يجب منع إخوتهم فى الإسلام من الوصول إلى البيت الحرام، وبالفعل ارتدى هو وأتباعه ملابس الإحرام وأخذوا يرددون نداءات التلبية، وأقسم لشيوخ مكة بالأيمان المغلظة أن دماء وأموال الحجيج محرّمة عليه، وانخدع الجميع بهذا القناع الورع، سمحوا له وبعدد كبير من أتباعه بالدخول، وما أن أصبح فى الداخل حتى وضع رقابهم جميعًا تحت السيف، أخذ أتباعه يقتلون مَن يجدون أمامهم من حجيج أعزل، حتى الذين هرعوا فى فزع إلى الكعبة وتعلقوا فى أستارها، تم ذبحهم فى ساحة الصلاة، وأبو طاهر يردّد ساخرًا: «ومن دخل المسجد كان آمنًا، أفأمنون أنتم يا حمير؟».
خلع باب الكعبة وكان مكسوًّا بصفائح بالذهب، وسلب كل ما فيها من تُحف من قلائد الذهب ومنابر الفضّة، خلع كسوة الكعبة وقطعها وقسمها بين أتباعه، وقيل إنه قتل ثلاثين نفسًا فى هذه الموقعة، وأمر بوضع جثث القتلى فى بئر زمزم حتى امتلأت عن آخرها، وتحوَّلت مياهها إلى دم صافٍ، ورغم ادعائهم أنهم نهضوا لنصرة آل البيت فإن هذا لم يمنعهم من الهجوم على حرائر النساء العلويات والهاشميات وأخذهن سبايا لهم، ودامت هذه المقتلة ثمانية أيام متواصلة.
وكانت الخاتمة هى نزع الحجر الأسود من مكانه فى ركن الكعبة، ويُقال إن الحجر لم يتحمّل طرق المعاول، فانقسم إلى نصفين، ولكن أبو طاهر أمر أتباعه بأن يحملوه إلى مقر حكمه فى البحرين، وهناك بنى كعبة أخرى ووضع الحجر فى زاويتها، كان يعتقد أن القوة الكامنة فى الحجر ستجذب الناس إليه، ولكن أحد لم يجرؤ على الحج إلى وكر اللصوص.
ظل الحجر أسيرًا لديهم والكعبة الزائفة قائمة لمدة 22 عامًا كاملة، ولم يجرؤ أحد على الذهاب والقتال من أجل استعادته، هم الذين أعادوه بأنفسهم، لم يهزم أحد القرامطة هم الذين هزموا أنفسهم، اختلفوا وانقسموا وتفرَّقوا وما زالت بقاياهم موجودة بيننا بشكل أو بآخر، شاهدة على عالم من الفتن لم ينتهِ ولم يتوقف، وها هو يبعث من جديد على يد تنظيم يدعى «داعش».








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق